محمد بن جرير الطبري
484
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وقال : استودعكما الله ، ودمعت عيناه ، وجعل يمسح دموعه بكمه ، ثم قام فوثب على الفرس ، وخرجنا بين يديه إلى باب القصر ، حتى ركبنا دوابنا ، وبين يديه شمعه واحده فلما صرنا إلى الطاقات مما يلي باب خراسان ، قال لي أبى : يا محمد ، ابسط يدك عليه ، فانى أخاف ان يضربه انسان بالسيف ، فان ضرب كان الضرب بك دونه قال : فألقيت عنان فرسي بين معرفته ، وبسطت يدي عليه حتى انتهينا إلى باب خراسان ، فأمرنا به ففتح ، ثم خرجنا إلى المشرعه ، فإذا حراقه هرثمة ، فرقى إليها ، فجعل الفرس يتلكا وينفر ، وضربه بالسوط وحمله عليها ، حتى ركبها في دجلة ، فنزل في الحراقة ، وأخذنا الفرس ، ورجعنا إلى المدينة ، فدخلناها وأمرنا بالباب فاغلق ، وسمعنا الواعية ، فصعدنا على القبه التي على الباب ، فوقفنا فيها نسمع الصوت . فذكر عن أحمد بن سلام صاحب المظالم أنه قال : كنت فيمن ركب مع هرثمة من القواد في الحراقة ، فلما نزلها محمد قمنا على أرجلنا إعظاما ، وجثى هرثمة على ركبتيه ، وقال له : يا سيدي ، ما أقدر على القيام لمكان النقرس الذي بي ، ثم احتضنه وصيره في حجره ، ثم جعل يقبل يديه ورجليه وعينيه ، ويقول : يا سيدي ومولاي وابن سيدي ومولاي قال : وجعل يتصفح وجوهنا ، قال : ونظر إلى عبيد الله بن الوضاح ، فقال له : أيهم أنت ؟ قال : انا عبيد الله بن الوضاح ، قال : نعم ، فجزاك الله خيرا ، فما اشكرني لما كان منك من امر الثلج ! ولو قد لقيت أخي أبقاه الله لم ادع ان أشكرك عنده ، وسألته مكافأتك عنى قال : فبينا نحن كذلك - وقد امر هرثمة بالحراقه ان تدفع - إذ شد علينا أصحاب طاهر في الزواريق والشذوات وعطعطوا وتعلقوا بالسكان ، فبعض يقطع السكان ، وبعض ينقب الحراقة ، وبعض يرمى بالأجر والنشاب قال : فنقبت الحراقة ، فدخلها الماء فغرقت ، وسقط هرثمة إلى الماء ، فأخرجه ملاح ، وخرج كل واحد منا على حيله ، ورايت